موسى سعيد
بالرغم من كون القضية الفلسطينية “قضية العرب الأولى”، وإن هذه القضية لعبت دوراً كبيراً على المستوى السياسي العربي وكانت بشكل أو بآخر وراء معظم ما عرفته منطقتنا العربية من تبدلات وتغيرات في أنظمة الحكم. وبأن القضية الفلسطينية أيضاً تشكلت في وعي المواطن العربي كونها لب الصراع ونشأته في مواجهة الإمبريالية العالمية وذراعها الكيان الصهيوني، والذي شكل دولة الاغتصاب والظلم على أرض فلسطين. رغم كل ذلك بقيت السينما العربية وخلال سنوات طويلة بعيدة كل البعد عن القيام بدرها الفاعل الحقيقي اتجاه القضية الفلسطينية. ويرجع ذلك إلى أن معظم الأنظمة العربية لم تكن لديها نية جدية للتصدي وتقديم الدعم للشعب والقضية الفلسطينية على أي مستوى من المستويات، وكان البعض من تلك الأنظمة معادياً ببنيتها وطبيعتها ومصلحتها لقيام ثورة فلسطينية، وكانت السينما العربية ومقدراتها تحت سلطة تلك الأنظمة، وتأتمر بأوامرها مما أعاقها عن تأدية مهمتها الكبيرة في تسليط الضوء على القضية المركزية للأمة العربية.
حتى وإن كانت قد جرت بعض المحاولات فإنها كانت تنقصها الجدية والواقعية، لا بل فقد وصلت حدود السذاجة والتشويه. وتحولت تلك الأفلام القليلة التي صنعت إلى مادة تشويقية وقصص ميلودرامية وعروض سوبرمانية.
ويمكننا القول أن الإنتاج السينمائي العربي بما يخص تناوله الهم والقضية الفلسطينية ينقسم إلى مرحلتين.
1- منذ النكبة عام 48 وحتى عام 1967.
2- بعد عام 1967.
لقد كانت السينما المصرية هي السينما العربية الوحيدة التي أبدت اهتماماً بالقضية الفلسطينية وبادرت إلى إنتاج بعض الأفلام في هذه الحقبة الزمنية. كون تلك السينما هي الأقدم والأكثر إنتاجاً مقارنة مع السينما العربية في الأقطار العربية الأخرى.
وفي هذه الفترة أنجزت السينما المصرية خمسة أفلام تسجيلية وكان أولها عام 1955 وحمل عنوان “القدس” من إخراج كمال مدكور وكان فيلماً سياحياً عرض من خلاله أهم المواقع والأماكن الأثرية والدينية، وفي نفس العام قدم حسن حلمي فيلم “معسكر اللاجئين في غزة”. وكان يعرض لحالة اللاجئين وظروف حياتهم في المخيمات. وقدم المخرج توفيق صالح فيلم “من نحن” في عام 1960. ويعد أول فيلم تسجيلي طويل الذي قدم ظروف حياة اللاجئين الفلسطينيين مستعرضاً قضيتهم السياسية والاجتماعية. وفي عام 1964 قدم محمد صالح كيالي فيلم “قاعدة العدوان”. وخامس تلك الأفلام كان فيلم “أجراس السلام” من إخراج رمسيس نجيب وكان ذلك في عام 1965.
وأما في مجال الأفلام الروائية فقد قدم القطاع الخاص المصري في هذه الحقبة التاريخية من عام 1948-1967 قدم 6 أفلام روائية غلب عليها الطابع الميلودرامي إلى جانب التشويق والمغامرة. وتم إقحام العامل الفلسطيني إقحاماً في سياق الفيلم مستغلين القضية الفلسطينية بطرق ساذجة بعيدة عن أي معالجة تحليلية لواقع الصراع والمأساة التي حصلت بعد إنشاء الكيان الصهيوني..
فها هو المخرج محمود ذو الفقار يقدم في عام 1948 الفيلم الروائي الأول عن القضية الفلسطينية والذي حمل عنوان “قناة من فلسطين” ويعرض للفتاة الفلسطينية التي تقع في حب طيار مصري تسقط طائرته فوق إحدى القرى الفلسطينية. وفي سنة 1957 قدمت السينما المصرية فيلم من إخراج كمال الشيخ بعنوان “أرض السلام”، وقصة هذا الفيلم لا تختلف كثيراً عن سابقه، حيث يقدم لنا الفيلم من الفدائيين المصريين الذين ينفذون عملية فدائية داخل الأرض المحتلة. ويلتجأ أحدهم إلى عائلة فلسطينية وهناك يتعرف إلى الابنة ويتزوجها ويعود معها إلى مصر. وأيضاً يغرق هذا الفيلم في المعالجة والمبالغة والمصادفات.. ومن الأفلام الروائية أيضاً هناك فيلم “طريق الأبطال” من إخراج محمود إسماعيل في عام 1962 وفي عام 1963 قدم المخرج زهير بكير فيلم “صراع الجبابرة”. وفي العام 1966 يقدم حسام الدين مصطفى فيلماً حمل اسم “جريحة في الحي الهادي”.
إن الأفلام التي أنتجت في هذه الفترة أخذ عليها الإغراق في الخيال. فكانت المعالجة خارج إطار المكان والزمان، حتى إن أحد الأفلام كان عبارة عن فيلم غنائي استعراضي راقص وجد أن الاستعانة بالقضية الفلسطينية يكسب هذا الفيلم مزيداً من الرضى عند جمهور المشاهدين والذين كانوا مستعدين للتماهي مع قصة حب جندي مصري مع فتاة فلسطينية فتلهب مشاعرهم وعواطفهم الجياشة. (مشاهد التحام الحب المصري الفلسطيني).
في هذه الفترة كانت فقط، السينما المصرية هي الوحيدة التي أسهمت بأفلام روائية وتسجيلية تعرضت فيه للقضية الفلسطينية. عدا ذلك لم تكن هناك إلا تجربة عربية وحيدة وهي تجربة للقطاع الخاص في الأردن. حيث تم انجاز فيلم “وطني حبيبي” من إخراج محمود كعوش عام 1964. ومن الملاحظ أن الإنتاج السينمائي في هذه الفترة كان متواضعاً كماً وكيفاً. فلم يتم التطرق بموضوعية إلى القضية الفلسطينية ولا مناقشة أسباب النكبة ونتائجها. وغاب التحليل المعمق لمجمل القضايا الأساسية للشعب الفلسطيني. فكانت الأفلام تلك غارقة في تفاصيل شوهت تلك القضية وقلبت المفاهيم وأضرت بالنضال والحقوق العادلة، وان لها الأثر السيئ في تشويه لمعنى الكفاح والنضال من أجل التحرير والعودة.
مرحلة الأفلام التي أنتجت بعد عام 1967:-
ألقت هزيمة حزيران عام 1967 بظلها الثقيل على جوانب كثيرة في حياة المجتمعات العربية سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ووصل هذا التأثير للحياة السينمائية العربية. وأدرك المشتغلين بالسينما العربية حجم التقصير اتجاه القضية الفلسطينية والتي لم يولوها الاهتمام الواجب. وظهر الإهمال لقضية العرب المركزية وذلك طوال العشر سنوات التي خلت. فأحدثت تلك الهزيمة ردة فعل قوية عند الكثير من السينمائيين العرب ووضعوا فلسطين وقضيتها على سلم الأولويات. وغدت هذه المسألة واجب وطني وقومي.
ولعل انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة. والتي اتخذت من الكفاح المسلح أسلوباً وطريقاً لها. وخاصة بعد الانتصار المدوي الذي حصل في معركة الكرامة عام 1968، والمد الثوري الذي اجتاح المجتمعات العربية وشعوبها. ووصل مداه إلى خارج حدود الوطن العربي. كل ذلك أرخى بظلاله على المثقفين العرب والسينمائيين بشكل خاص. مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات التي برزت في تناول موضوع القضية الفلسطينية. فإلى جانب بروز جيل من المخرجين العرب الذين أدركوا بالوعي والتحليل، الفهم العميق لجذور هذه المسألة وقدموا أفلاماً ذات مستوى فني وفكري جيد المستوى، سواء كانت تلك الأفلام روائية أم وثائقية وسجلت تلك الأفلام قفزة نوعية من حيث الكم والكيف في مسيرة أولئك المخرجين، وأصبحت تلك الأعمال في الكلاسيكيات. من حيث المواضيع والتناول والطرح والأفكار المبدعة التي كانت جديدة من السينما العربية والتي كانت لا تزال تجتر مواضيعها الميلودرامية والاستعراضية.
وكانت تلك الأفلام هي من إنتاج القطاع العام في الدول العربية وخاصة في سورية ومصر والعراق، حيث أخذت مؤسسات السينما العامة في تلك الدول على عاتقها تقديم نوعية ذات مستوى فني وفكري رفيع. وخاصة في الكثير من الأفلام الوثائقية وبعض الأفلام الروائية على قلتها.
وعلى الجانب الآخر وجد القطاع الخاص السينمائي في بعض الدول العربية لموضع القضية الفلسطينية وثورتها ومقاتليها مادة تجارية دسمة للكثير من الأفلام التي تم إنتاجها بعد عام 1967. لقد نسجت تلك السينما حكايات أسطورية محورها الفدائي الفلسطيني. وصوّرته على أنه مقاتل لا يشق له غبار وكأنه رجل من صنع الخيال وليس من دم ولحم، وأنه لا يخاف ولا يقهر والنصر حليفه دائماً، يقتل من الأعداء بالعشرات. وهو ينجو دائماً من كل المعارك التي يخوضها بعد أن ينفذ العمليات العسكرية ويطلق رصاصه بدون كلل أو ملل. لقد كانت السينما التجارية تستغل الثورة الفلسطينية ومقاتليها أبشع استغلال، وجعلتها مادة لجمع الأموال. فوقعت تلك الأفلام ذات المستوى الفكري الضحل في الإسفاف والسذاجة وكانت تلك الأفلام مسيئة للفدائي وللقضية العادلة التي يقاتل من أجلها ونقلت صورة مغلوطة وكاريكاتورية عن الثورة الفلسطينية، فلم تكن لهذه الأفلام أية خلفية سياسية سليمة ولم تتضمن أي تحليل سياسي واقعي، همها الوحيد حشو الفيلم بمشاهد الرصاص المنهمر وأصوات الانفجاريات التي تخلفها العمليات التي كانت تقوم بها مجموعات الفدائيين. ولتصل تلك الأفلام في النهاية إلى طريق مسدود، بعد أن استنفذت كل أساليب التجهيل والعواطف الساذجة والطرح المشوه. فغدت عبئاً على الثورة والجماهير، وبالتالي إلى رفضها والإحجام عن مشاهدتها. عندها توقف القطاع الخاص عن إنتاج هذا النوع من الأفلام، بعد أن كان قد جمع المال الوفير من جموع المشاهدين.
أفلام روائية للقطاع الخاص/ لبنان:-
كان للقطاع الخاص في لبنان قصب السبق في خوض غمار إنتاج أفلام روائية عن القضية الفلسطينية كما فهمها أصحاب تلك السينما التجارية. فمبكراً وفي عام 1967 أقدم المخرج كريستيان غازي واقتبس عنه برتولد بريخت إحدى رواياته وألبسها حالة فلسطينية. لمجموعة من الفدائيين التي تنفذ عملية فدائية داخل فلسطين، وحمل ذلك الفيلم اسم “الفدائيون”. ثم قدمت السينما التجارية في لبنان 4 أفلام في عام 69. وكان الموضوع الذي يجمع مجمل قصص تلك الأفلام هو العمل الفدائي والبطولات الخارقة التي يقوم بها الفدائيون، فكان فيلم “أجراس العودة” أخراج تيسير عبود.
وفيلم “فداك يا فلسطين” من إخراج أنطوان ريمي. وقدم غازي غاربديان فيلم “كلنا فدائيون” وقد أنهى هذه السلسلة من الأفلام المخرج رضا ميسر بفيلمه “الفلسطيني الثائر”. بالمجمل كانت تلك الأفلام حشو للميلودراما المسطحة والحماسة المزيفة والبطولات الخارقة والاستعراض الخطابي والشعارات الفارغة والبعد عن أن منطق أو تحليل أو رؤية فكرية سليمة.
الأفلام الروائية القطاع الخاص/ سورية:-
قدم القطاع الخاص في سورية فيلمين روائيين في هذه السلسة التي استغلت موضوع العمل الفدائي والذي انطلق باتجاه الأرض المغتصبة بعد عام 1967.
ففي عام 1969 ومن إخراج، محمد صالح الكيالي قدم فيلم “3 عمليات داخل فلسطين” وهذا الفيلم لا يختلف عن أمثاله في تلك الموجة المسفة من حيث اللعب على مشاعر الجمهور وإلهاب عواطف المشاهدين، والفيلم مليء بالمواقف المبتذلة والطرح المغلوط عن الفدائي، ناهيك عن الصورة السطحية المشوهة للعمل الفدائي والقضية الفلسطينية.
وفي نفس العام /1969/ ومن إخراج “سيف الدين شوكت” كان فيلم “عملية الساعة السادسة” وهذا الفيلم كسابقة ومن نفس الطراز من حيث الموضوع والتناول والعرض. والذي استغلت فيه قضية فلسطين وبطولات الفدائي أبشع استغلال، للكسب التجاري وإغراق صالات العرض بمزيد من المشاهدين الذين كانوا تواقين لرؤية الفدائي الإنسان والقضية العادلة، إلا أن أحلامهم ذهبت أدراج الرياح…
الأفلام الروائية للقطاع الخاص في مصر:-
قدم القطاع الخاص في عام 1968، فيلماً للمخرج “سيد زيادة” حمل عنوان “حب وخيانة” وفي عام 1973 ومن إنتاج جماعة السينما الجديدة “يقدم المخرج الفلسطيني غالب شعث” فيلمه “ظلال على الجانب الآخر”. حيث يستعرض الفيلم مجمل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى نكسة حزيران 1967. وهناك بعض الأفلام التجارية المصرية التي حاولت الزج بالقضية الفلسطينية في محور أحداثها فكان تناولاً بعيداً عن الموضوعية بل أنه أساء لتلك القضية فكان تناولاً مصطنعاً وعاطفياً هدفه استغلال واضح لمشاعر الناس التي تماهت مع مجمل الأحداث الفلسطينية وخاصة بعد الانتفاضة الأولى عام 1987 والانتفاضة الثانية في عام 2000، إلا أن ابرز الأفلام التي تناولت موضوعاً فلسطينياً بعيد عن المتاجرة والانفعال يمكن أن نذكر فيلم المخرج عاطف الطيب في فيلمه عن الفنان الرسام “ناجي العلي” والذي حمل نفس الاسم.
وفي الأردن:-
قدمت السينما التجارية هناك تجربتين للفيلم الروائي، الأول حمل عنوان “أجراس العودة” وكان ذلك في عام 1969 ومن إخراج “تيسير عبود” وفي نفس العام قدم المخرج عبد الوهاب الهندي فيلمه “كفاح حتى التحرير” .
إن مجمل تلك الإنتاجات للقطاع الخاص للسينما التجارية والتي اتخذت من القضية الفلسطينية والعمل الفدائي محوراً لقصص أفلامها، عبرت أسوأ تعبير عن هذه القضية من حيث المستوى الفكري والفني، وفي هذا المجال، يقول المخرج والباحث السينمائي، قيس الزبيدي: “أن تلك المواضيع لم تستمد من الواقع الفلسطيني ومن الصراع الدائر على أرض الواقع، بل أن المعالجة السينمائية لتلك الأفلام استمدت من مشاهدة الأفلام الأميركية “الويسترن” والتي استعبرت بأسوأ شكل، وألصقت بالمواضيع الفلسطينية ولا يمكن عزل السمة الأساسية التي ميزت الفيلم العربي في تناوله لمواضيع فلسطينية، عن طبيعة هذا الفيلم تاريخياً وهي الطبيعة الناشئة عن صلة السينما العربية بشباك التذاكر، وليس بالواقع، وقد حافظ الفيلم العربي على هذه الصلة، حتى في تناوله لقضية مقدسة عند الجماهير وعند المتعاملين بالفن وهي القضية الفلسطينية”.
الأفلام الروائية التي أنتجها القطاع العام في سورية:-
بعد هزيمة حزيران عام 1967، ونشوء حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، كان له الأثر على نشوء جيل من السينمائيين الشباب العرب الذين ألهبت مشاعرهم الأجواء التي كانت تسود في تلك الأيام، ودفعت بهم إلى تقديم العديد من الأفلام عن القضية الفلسطينية ومسألة الصراع العربي الصهيوني. وحدثت نقلة نوعية في مستوى الأفلام الروائية العربية، ولعل نشوء القطاع العام للسينما في سورية، وهو محور حديثنا هنا، أنشأ ظروف إنتاجية خاصة ساهمت في تلك النقلة النوعية. فكان ذلك القطاع العام للسينما يعمل ضمن أهداف غير تلك التي تعمل فيها سينما القطاع الخاص فبعيداً عن شباك التذاكر والربح المادي الذي كان يتربع على أولويات السينما التجارية، والتي من جرّاءها تم تدبيج القصص والمغامرات والمواضيع السطحية، بعيداً عن الموضوعية وعن أي تحليل فكري ناضج، كانت تزخر به موجة أفلام القطاع الخاص التي استغلت موضوع القضية الفلسطينية وثورتها أبشع استغلال.
لذلك كان للمؤسسة العامة للسينما في سورية قصب السبق بإنتاج العديد من الأفلام الروائية القصيرة والطويلة والتي كانت محورها القضية الفلسطينية. وكانت البداية في عام 1969 ومع المخرج نبيل المالح الذي قدم فيلماً روائياً قصيراً لمدة “20 دقيقة” حمل عنوان “إكليل الشوك” والذي قدم فيه ابنة أحد المخيمات الفلسطينية التي تصل إلى المدينة المتاخمة لمخيمها في أول خروج لها من تلك البيئة التي قضت فيها كل سنوات حياتها وهناك في المدينة ستكشف البون الشاسع بين واقعها في المخيم وواقع المدينة التي تراه الآن. وبالتالي مقدار البؤس الذي تعيشه ويعيشه اللاجئون في مخيماتهم. وقدم العراقيان “قيس الزبيدي” و”قاسم حول” فيلمين روائيين قصيرين. وهما من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سورية. ففي فيلم “الزيارة” لقيس الزبيدي عام 1970.
والذي قدم فيلماً يعتمد على الصورة الفوتوغرافية والشعر والموسيقى والفن التشكيلي طارحاً واقع الإنسان العربي والظروف التي يعيشها جراء الهزائم والاحباطات ومن ثم انطلاق الثورة. وفي عام 1971 قدم المخرج قاسم حول فيلم “اليد” تناول فيه الأحداث الدامية التي جرت في أيلول عام 1970 في الأردن.
ويقدم ثلاثة مخرجين هم مروان مؤذن ونبيل المالح ومحمد شاهين ثلاثية “رجال تحت الشمس” ضمن ثلاثة أفلام قصيرة.
أول هذه الأفلام حمل عنوان “اللقاء” لمروان المؤذن. وهو من الأفلام التي حاولت مخاطبة الرأي العام العالمي. من خلال لقاء تم بين أحد رجال المقاومة الفلسطينية وفتاة أجنبية كانت تستقل السيارة مع أحد الجنود الصهاينة والذي يقتل إثر عملية فدائية، وقد حاول الفيلم إبراز الوجه الحقيقي للشعب الفلسطيني ونضاله العادل في سبيل قضيته. والفيلم الثاني كان للمخرج نبيل المالح تحت عنوان “المخاض” حول انبعاث الثورة وولادتها من رحم المعاناة. وستكون تلك الثورة هي الحل في ظل حالة الإحباط والقهر الذي عاشه الفلسطينيون بعد النكسة. وجاء تقديم هذه الحالة بطرح الموضوع بشكل رمزي له الدلالات التي تحدثنا عنها. أما ثالث تلك الأفلام فكان للمخرج محمد شاهين باسم “الميلاد” وكان تعبيراً عن ميلاد جيل جديد من الفلسطينيين، الذي رأى في الثورة حلاً بعد حالة الضياع التي كان يعيشها. وتشاهد في الفيلم شخصية “المعلم” الذي كان يعيش حياة التردد والقهر إلى أن يحسم أمره لينطلق وينضم إلى الثورة بعد أن رأى فيها حلاً لحالة البؤس والضياع التي كان يعيشها هو وجيل كامل.
وفي عام 1971 قدم المخرج، خالد حمادة وعن قصة الأديب الشهيد غسان كنفاني “ما تبقى لكم” فيلم بعنوان “السكين” إلا أن الفيلم لم يصب النجاح الكافي في تقديمه لرواية كنفاني. وطغت الرواية على سياق الفيلم السينمائي الذي بقي قاصراً عن مجاراة القصة الأصلية رغم جهود المخرج الجدية بذلك.
ويطل عام 1972 حين قدمت المؤسسة العامة للسينما في سورية واحداً من أهم الأفلام الروائية عن القضية الفلسطينية. ونعني بذلك فيلم “المخدوعون” للمخرج المصري ” توفيق صالح” وهو مأخوذ أيضاً عن رواية الأديب غسان كنفاني “رجال تحت الشمس” حيث يروي قصة الشتات الفلسطيني بعد النكبة التي حدثت عام 1948 وتشريد الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال قصة ثلاثة رجال في رحلة البحث المضني عن فرصة للعمل. وهم في سبيل ذلك سيضطرون للاختباء داخل صهريج الماء الذي سيقلهم به سائقه إلى حيث النعيم الموعود. إلا أن الرحلة تلك تنتهي بأن يلقوا حتفهم داخل الخزان. في قصة بالغة الدلالة. واستعرض الفيلم في جانب من جوانبه الأسباب التي أدت إلى النكبة وقدم نقداً حاداً للأنظمة المتواطئة والتي كانت وراء النكبات التي حلت بالفلسطينيين.
ويعرض المخرج كريستيان غازي في فيلمه ” مئة وجه ليوم واحد” في عام 1972 قصة عاملين فلسطينيين واللذان يقرران الانخراط في صفوف المقاومة. ويقدم الفيلم رؤية طبقية لمسألة الصراع العربي الصهيوني. ليرى أن الطبقة الكادحة هي صاحبة المصلحة الحقيقية في الثورة المسلحة، وغامزاً من طرف البرجوازية التي ما فتئت تستغل الطبقة العاملة وتكدس أموالها غير آبهة بالقضية العربية ومسألة الصراع ضد العدو…
وفي عام 1974 تقدم المؤسسة العامة للسينما رائعتها فيلم “كفر قاسم” للموهوب المخرج اللبناني برهان علوية عن قصة عاصم الجندي وحوار عصام محفوظ. حيث تم تقديم تلك المجزرة الرهيبة التي نفذها جنود صهاينة بكل دم بارد ضد قرية كفر قاسم، وذلك عشية العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
ورغم السنوات الطويلة لا يزال ذلك الفيلم والذي اعتبر من كلاسيكيات الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، ويعتبر شكلاً فنياً من الطراز الرفيع. أبدع فيه المخرج وطاقمه الفني في إعادة صياغة وتركيب للأحداث التي سبقت وعايشت وقوع المجزرة. وقدم وثيقة سينمائية صادقة. وأدان الهمجية التي رافقت الجنود الصهاينة في تنفيذهم للجريمة ضد القرويين العزل ونجح بشكل كبير في تصوير مرحلة هامة مرت على المنطقة ومن خلال المشاهد الحارة والحوار السلس، والموسيقى للمبدع وليد غلمية وبعيداً عن الشحن العاطفي والأحداث المفتعلة استطاع الفيلم أن يصل إلى أعلى درجات الموضوعية والنجاح كاشفاً حقيقة العدو الصهيوني وجذور وواقع القضية الفلسطينية.
ويأتي عام 1977 حيث قدم المخرج صلاح دهني وعن قصة “سر البري” لعلي زين الدين الحسيني. فيلم “الأبطال يولدون مرتين” وفي هذا الفيلم حاول صلاح دهني أن يصل إلى معادلة الفيلم التجاري الجماهيري من خلال قصة عن القضية الفلسطينية. مشركاً في البطولة الممثل المصري عماد حمدي. ويروي الفيلم أحداثاً تجري في أحد المخيمات الفلسطينية في غزة والذي وقع تحت الاحتلال الصهيوني. ويستعرض الفيلم الحياة اليومية لسكان المخيم تحت حراب الاحتلال والمآسي والعذابات التي يكابدونها يومياً جراء الممارسات التي يقوم بها الجنود الصهاينة ويقدم الفيلم الفتى اليافع والذي تنشأ بينه وبين جده علاقة ود مميزة. وتتطور مدارك الفتى وتتضح على حقيقة العدو الذي ما زال يبطش بأبناء شعبه وتحت ناظريه إلى أن يقرر ذلك الفتى أن الحل هو الالتحاق بالعمل الفدائي مؤكداً المقولة بأن النضال والمقاومة هي خيار الشعب الفلسطيني وبأن الثورة هي الطريق في سبيل استعادة الأرض والحقوق.
الحلقة الثالثة
إضافة لما سبق ذكره من الأفلام الروائية المنتجة في المؤسسة العامة للسينما، فإن هناك عدداً من الأفلام كان للقضية الفلسطينية بعض الحضور في مفاصلها. وحفلت تلك الأفلام واهتمت بالشأن الفلسطيني سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وكانت الخلفية التاريخية للقضية الفلسطينية حاضرة إضافة لمسألة الصراع العربي الصهيوني. وقصة اللاجئين الفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية ونضالها وعكست تلك الأفلام أيضاً مدى ارتباط الشعب العربي وتماسه المباشر مع هذه القضية اليومية، فكانت في همهم واهتماماتهم ودخلت في نسيج الشعب العربي وأصبحت زاده اليومي وطبعت حياتهم بها، وانعكس ذلك في جميع نواحي حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين تلك الأفلام فيلم “الاتجاه المعاكس” لمروان حداد وفيلم “حادثة النصف متر” لسمير ذكرى، وأفلام المخرج عبد اللطيف عبد الحميد ومنها “رسائل شفهية، ليالي ابن آوى، قمران وزيتونة، وأيام الضجر”، وفيلمي محمد ملص، “أحلام المدينة، والليل”. وفيلم أسامة محمد، “نجوم النهار”. وفيلم غسان شميط “شيء ما يحترق”. و”الترحال” لريمون بطرس وفيلم “رؤى حالمة” للمخرجة واحة الراهب. وأخيراً قدم المخرج ماهر كرو فيلمه “بوابة الجنة” في عام 2009، والذي جرى الحديث فيه عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.
الأفلام التسجيلية في القطاع العام/ سورية:-
لقد أحدثت نكسة حزيران عام 1967 هزة قوية على جميع نواحي الحياة في المجتمعات العربية. وكان للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص دور كبير في رصد التحولات التي أصابت المجتمع العربي. وتطرقت فيه إلى القضية الفلسطينية لكونها محور الأحداث والبؤرة التي تتجمع فيها نقطة الصراع العربي الصهيوني. وكان للسينما التسجيلية والوثائقية الدور الكبير في إبراز وتصوير الصراع الدائر وعلى كافة الجبهات مع العدو الصهيوني. وكان للمؤسسة العامة للسينما وللتلفزيون السوري إسهام كبير في إنتاج العديد من الأفلام الوثائقية والتي سجلت لها حضوراً في المهرجانات العربية والدولية. وخاصة في مهرجانات دمشق وبغداد ولا يبزغ في ألمانيا.
من أوائل هذه الأفلام، فيلم فيصل الياسري “نحن بخير” إنتاج عام 1969، والذي يتكأ في موضوعه على برنامج كان يبثه راديو العدو، حيث كانت تذاع رسائل المواطنين العرب داخل الأرض المحتلة إلى أهاليهم في الشتات. واستخدام المخرج التضاد ما بين الصوت والصورة التي كانت تعرض معاناة العرب الفلسطينيين تحت الاحتلال والقتل والتدمير الذي كان يلحق بهم جراء الاحتلال الصهيوني، وأظهر الفيلم التناقض التام بين الصورة تلك والمادة الصوتية التي كانت الإذاعة الصهيونية تروجها عن أن العرب يعيشون تحت الحراب وهم بألف خير.
وفي عام 1969 أيضاً قدم قيس الزبيدي فيلماً بعنوان “بعيداً عن الوطن” وقد صور هذا الفيلم في أحد المخيمات الفلسطينية القريبة من دمشق، وأظهر بؤس الحياة التي يعيشها أطفال ذلك المخيم وسرد فيه وعلى لسانهم أحلامهم التي تعيش في مخيلاتهم ومقدار الصعوبات التي تقف عائقاً في سبيل ذلك، وأظهر ذلك الفيلم وبشكل شفاف الرغبات والأماني لدى أولئك الأطفال وتصرفاتهم العفوية غير آبهين بقسوة الحياة وظروفهم الصعبة التي يعيشونها وكل همهم الحياة بكل تفاصيلها مثل جميع أطفال العالم.
وفي فيلم “عيد سعيد” لمروان مؤذن، قدم مقارنة بسيطة في الصورة، حيث تم عرض الأعياد والمباهج التي يعيشها أطفال العالم والحياة السعيدة التي يقضيها أي طفل في العالم ومقابل ذلك صور الأعياد التي يقضيها الأطفال الفلسطينيين في مخيماتهم وظهر التناقض الجلي بين ما يعيشه أطفال العالم والحياة التي يعيشها أطفال فلسطيني.
وبأسلوب ساخر ومرير يقدم نبيل المالح فيلمه “نابالم” وخلال 90 ثانية يستعرض وعلى الطريقة الأميركية في تقديم الإعلانات الاستهلاكية، حيث يعرض المالح إعلاناً تجارياً عن منتج أميركي شديد الفعالية والتأثير وهي قنابل النابالم وتظهر آثار هذه القنابل في فلسطين وفيتنام وأماكن أخرى في العالم، مبرزاً الوحشية والهمجية الأميركية وعدوانها على الشعوب، فكان هذا الفيلم وعلى قصره وثيقة بالغة الحدة والتأثير، واستطاع ببساطة وفعالية أن يصل إلى أكبر وأوسع نجاح يصله فيلم تسجيلي.
وفي عام 1972 كان هناك فيلم “شهادة الأطفال في زمن الحرب” إخراج قيس الزبيدي، وفي هذا الفيلم يقدم لنا المخرج الزبيدي فيلماً مليئاً بالأحاسيس المرهفة، والعفوية العذبة التي يتحلى بها الأطفال فرغم بؤس الحياة وقساوة الظروف هناك أطفال يحلمون ويرسمون، وتتجسد أحلامهم تلك من خلال رسومات برئية عذبة تخطها أناملهم الغضة. وكان لهذا الفيلم قيمة فنية وفكرة معبرة خرج فيه من بين تلك الرسومات وبين المشاهد الوثائقية الحية التي صورت الحياة الصعبة والظروف التي يعيشها أطفال شعب فلسطين، ولكنهم رغم ذلك لم ينسوا طفولتهم والبراءة التي يتحلى بها أي طفل وهم لا زالوا يحلموا بوطن ولعبة وحضن دافئ، فكان لهذا الفيلم الوقع والصدى الطيب حين عرضه ونال وقتها الجائزة الذهبية في مهاجران بغداد الدولي.
وبعد حرب تشرين عام 1973 قدم المخرج أمين البني فيلم “دروس الحضارة” متناولاً طبيعة الكيان الصهيوني العنصري وأكاذيبه التي يبثها، واعتمد الفيلم على الوثائق السينمائية التي تكشف زيف ووحشية المبادئ اللا إنسانية التي تم إنشاء الكيان الصهيوني على أساسها.
وفي سلسلة أفلام تلفزيونية قدم أيضاً أمين البني فيلم “مذكرات وطن” تطرق فيه إلى القضية الفلسطينية تاريخياً، واستعرض المراحل الهامة التي مرت بها قضية فلسطين وأبرز المحطات التاريخية والسياسية والعسكرية لقد تداخلت مواضيع القضية الفلسطينية في الأفلام التسجيلية والوثائقية العربية مع الأحداث والأوضاع في البلاد العربية، فكان لحرب تشرين عام 1973 نصيب كبير في مواضيع الكثيرة من الأفلام ناهيك عن الحروب والأحداث الكثيرة التي جرت في لبنان على مدى السنوات الكثيرة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القضية الفلسطينية لها التأثير الكبير في مجرى الأحداث والحياة في مجتمعاتنا العربية سواء السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية. وهي تشكل عصب الحياة والهم اليومي للمواطن العربي وأصبحت قضية فلسطين قضية وطنية وقومية وإنسانية في آن واحد.
لكن للأسف لم يكن إنتاج الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية في موضوعاتها يتم حسب برمجة واضحة لدى مؤسسات الإنتاج العربي بشكل عام. وكان الاهتمام بتلك القضية يندرج ضمن مبادرات شخصية للمخرجين. وكان الإنتاج يأخذ شكل فورة إنتاجية ثم يعاود إلى الركود. ولعل بداية السبعينيات هي الفترة الأبرز التي تم إنتاج القسم الأكبر من الأفلام تلك. ويجب الإشارة أيضاً إلى ناحية فنية أخرى في الأفلام الوثائقية وهي التكرار في استخدام الوثيقة السينمائية حتى غدت أكثر الأفلام متشابهة إن لم نقل متطابقة من حيث الشكل والمضمون. وبقيت مواضيع تلك الأفلام وتناولها يعتمد على التأثير فقط على الرأي العام العربي ولم يأخذ في الحسبان الرأي العام العالمي إلا في حالات نادرة. وهذا ما أفقدها الكثير من الانتشار والنجاحات في المحافل الدولية.
المراجع …
1- فلسطين والعين السينمائية حسان أبو غنيمة
منشورات اتحاد الكتاب العرب/ دمشق.
2- السينما والقضية الفلسطينية حسين العودات
دار الأهالي – دمشق.
3- مجلة شؤون فلسطينية العدد العاشر حزيران 1972- قيس الزبيدي.
4- تشرين الثقافي – دراما – السنة الثانية العدد 36.
القضايا الوطنية والقومية في السينما السورية – بشار إبراهيم.
5- تشرين الثقافي – دراما- العدد 17- السنة الأولى.
أربعون عاماً على الانجاز السينمائي السوري – بشار إبراهيم.
6- الموسوعة الفلسطينية – القسم الثاني/ المجلد الرابع
السينما الفلسطينية – عدنان مدنات








